الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

14

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

حالة كون هذا البشر حين يأتي بالآية يشبه رسالته رسالة الأولين ، والمشبه ذات والمشبه به معنى الرسالة وذلك واسع في كلام العرب . قال النابغة : وقد خفت حتى ما تزيد مخافتي * على وعل من ذي المطارة عاقل أي على مخافة وعل أو حالة كون الآية كما أرسل الأولون ، أي به . [ 6 ] [ سورة الأنبياء ( 21 ) : آية 6 ] ما آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَ فَهُمْ يُؤْمِنُونَ ( 6 ) استئناف ابتدائي جوابا على قولهم كَما أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ [ الأنبياء : 5 ] ، والمعنى : أن الأمم التي أرسل إليها الأولون ما أغنت فيهم الآيات التي جاءتهم كما وددتم أن تكون لكم مثلها فما آمنوا ، ولذلك حق عليهم الإهلاك فشأنكم أيها المشركون كشأنهم . وهذا كقوله تعالى : وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ في سورة [ الإسراء : 59 ] . وإنما أمسك اللّه الآيات الخوارق عن مشركي مكة لأنه أراد استبقاءهم ليكون منهم مؤمنون وتكون ذرياتهم حملة هذا الدين في العالم ، ولو أرسلت عليهم الآيات البينة لكانت سنة اللّه أن يعقبها عذاب الاستئصال للذين لا يؤمنون بها . و ( ما ) نافية . و ( من ) في قوله تعالى مِنْ قَرْيَةٍ مزيدة لتأكيد النفي المستفاد من حرف ( ما ) . ومتعلق آمَنَتْ محذوف دل عليه السياق ، أي ما آمنت بالآيات قرية . وجملة أَهْلَكْناها صفة ل قَرْيَةٍ ، وردت مستطردة للتعريض بالوعيد بأن المشركين أيضا يترقبون الإهلاك . وذكرت القرية هنا مرادا بها أهلها ليبنى عليها الوصف بإهلاكها لأن الإهلاك أصاب أهل القرى وقراهم ، فلذلك قيل أَهْلَكْناها دون ( أهلكناهم ) كما في سورة [ الكهف : 59 ] وَتِلْكَ الْقُرى أَهْلَكْناهُمْ . وفرعت جملة أَ فَهُمْ يُؤْمِنُونَ على جملة ما آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ مقترنة باستفهام الإنكار ، أي فهم لا يؤمنون لو أتيناهم بآية كما اقترحوا كما لم يؤمن الذين من قبلهم الذين جعلوهم مثالا في قولهم كَما أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ [ الأنبياء : 5 ] وهذا أخذ لهم بلازم قولهم .